الأحد، 13 يناير، 2008

الجنرال الأندونيسي سوهارتو: رجل صغير واحد يترك في أعقابه ملايين الجثث


مدونة أخبار وتعليقات،
الأحد، 13 كانون الثاني/يناير 2008 (بتوقيت الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة)
نشر ألان نيرن في الساعة 9:56 مساء (بتوقيت الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة)

الجنرال الأندونيسي سوهارتو: رجل صغير واحد يترك في أعقابه ملايين الجثث

بقلم: ألان نيرن

تقول التقارير الإخبارية أن صحة الجنرال الأندونيسي سوهارتو تتدهور بسرعة

ولهذا، عندما وصلت للبلاد بدأت أسأل الناس حول شعورهم بشأن قاتهلم الذي ينتظر الموت. (عدد ضحايا يزيد عن مليون إنسان، معظمهم من المدنيين).

الرجل الأول الذي قابلته، بالقرب من كشك يبيع القوة والأرز، حيث كانت الإذاعة تورد نبأ اقتراب وفاته، قال "هذا حسن جدا" وابتسم. الناس الذين أعرفهم هناك لم يزعجوا أنفسهم بذكر الموضوع، على الرغم من معرفتهم بمتابعتي للسياسة.

وفي السوق، عندما انتهت إحدى البائعات من سرد أمراضها التي نتجت عن سنوات طويلة من العمل، قالت عندما سألتها عن سوهارتو، "سوهارتو؟ لقد أكل الكثير من المال، لقد امتلأ تماما. لقد أكل كثيرا جدا ولم يبق شيئا للآخرين كي يأكلوا". ثم بدأت تضحك على النكتة التي ابتدعتها، وضحك جميع الحاضرين. لا شك أن فترة الحداد سوف تنتهي قبل موعد وجبة الغداء.

في عام 1993، قالت صحيفة نيويورك تايمز بعد المذبحة التي حدثت في تيمور الشرقية إن سوهارتو "أدار البلاد بابتسامة أبوية وقبضة حديدية" وندبت الصحيفة أن "إنجازاته غير معروفة على نطاق واسع في الخارج" (فيليب شينون، مقال بعنوان "العملاق الخفي—تقرير خاص: أندونيسيا تحسن حياة العديدين ولكن ظل السياسة ما زال مخيما" صحيفة نيويورك تايمز، 27 آب/أغسطس 1993).

أما على أرض الواقع، في أندونيسا، كان سوهارتو مرئيا بوضوح كرجل صغير من ناحية، وكشر مستطير من ناحية أخرى.

يمكنك أن تتحدث هناك عن الفساد، ولكن لا يجوز ذكر الجرائم. وعليك أن تعمل جاهدا حتى تنساها. وقد ساعدت الحكومة من خلال قوانين "للبيئة النظيفة" حظرت على الناجين إجراء اتصالات اجتماعية، استنادا إلى نظرية مفادها إنهم إذا تواصلوا مع الآخرين فقد تؤدي ذكرياتهم إلى تلويث المجتمع.

وصفت لي امرأة مسنة يوما بعد أن ألححت عليها الجثث التي رأتها تطفو على الأنهار في سومطرة.

ولكن، وكقاعدة عامة، الناس لا يحبون الحديث عن الفظائع التي ارتكبها سوهارتو. الفظائع التي وصفها جيمس ريستون في صحيفة نيويورك تايمز بأنه "شعاع من الضوء في آسيا" (19 حزيران/يونيو 1966)، والتي وصفتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي شاركت في الجرائم "إحدى أسوأ عمليات القتل الجماعي في القرن العشرين).

ومن المفارقة، أن ما هو محظور الحديث فيه على المستوى الرسمي، هو موضوع الفساد.

في عام 1998، تم التحقيق معي في أندونيسيا بعد أن نظمت مؤتمر صحفي حول المساعدات السرية التي كانت تقدمها إدارة بيل كلينتون إلى سوهارتو (بما في ذلك بنادق للقناصين)، وبدأ رجل من نظام سوهارتو يقرأ الملف الذي يحفظونه بشأني، وكان بعضه دقيقا على درجة أثارت قلقي، وبعضه سخيف جدا.

سألني المحقق عن آرائي السياسية، فألقيت عليه خطابا حول المذابح وعن رأيي أنه ينبغي أن يشترك كلنتون وسوهاتو في زنزانة واحدة. بدت على الرجل مظاهر الملل، ولكنني بعد ذلك بدأت أتحدث عن الفساد. وفجأة شعر بالإهانة والغضب، فاستقام في جلسته وقال: "ماذا تعني بقولك حول وجود فساد؟"

كان رد فعل معقول نظرا لأن هذا الموضوع كان مطروحا على المستوى الشعبي، ولذلك فقد كان موضوعا خطرا. كان من المفترض من البيروقراطيين ألا يتحدثوا عن الموضوع، فقد كانت تصلهم المغلفات المملوئة بالنقود بصفة هادئة.

ولكن المذابح؟ لم يكن من المرجح أن تثير اهتماما بحسب رأي أنصار سوهارتو.

في الحقيقة، يمكن للناجين من المذابح أن يكونوا أنانيين أحيانا، وأن ينسوا الموتى ويبدأوا بتقبيل القتلة، وخصوصا إذا تواصل تنفيذ الرعب بذكاء. إن السيطرة القسرية على الفكر ممكنة أحيانا.

عندما يذهب سوهارتو، لن يكون هناك دموع لوداعه في الأماكن التي أعرفها، ولكن قد يبكي عليه البعض في الولايات المتحدة.

فهناك، تطورت مدرسة فكرة تعتقد أن سوهاتو جيد على الرغم من وجود مشاكل في مجال "حقوق الإنسان"، إذ أن الإحصاءات الرسمية تظهر تناميا مضطردا في الناتج المحلي الإجمالي.

إن مؤيديه يعدون أنفسهم من المعادين المتشددين للشيوعية، ولكنهم امتصوا بعض ضروب التفكير التي كانت تسود صحيفة برافدا، إذ أن الحجة التي يطرحونها، هي ذات الحجة التي استخدمت لتبرير حكم ستالين.

ولكن حينما تجمع الناس الناحلين وقصار القامة قرب معبر بيلاوان البحري للذهاب إلى ماليزيا، فقد يقولون لك أن المذابح التي ارتكبها العم سوهارتو، على العكس من مذابح العم جوزيف ستالين، لم تقد أندونيسيا إلى مستوى جديد.

البلدان المجاورة التي بدأت مسيرتها على قدم المساواة مع أندونيسا في مرحلة التنمية، تجاوزت ما خلفه نظام سوهارتو بمراحل عديدة، ولذلك تجد الأندونيسيين يغادرون بلادهم سعيا للعمل وأحيانا يتنازلون عن كرامتهم من أجل لقمة عيش أولادهم.

السؤال المهم لا يتعلق بسبب تلطف الراعين الأجانب بتبرير الجرائم (فالجواب الرئيسي: أن لا أحد يحاسبهم)، بل لماذ يسمح الناس المحليين في أماكن عديدة لرجل واحد صغير أن ينهض فوقهم؟

هذا سؤال معقد، سنتناوله في يوم آخر. ولكن الآن، ثمة عدد من الناس هنا مشغولون بالذكرة السنوية لمقتل شخص آخر أكبر بكثير .... سيدة مدفونة في حقل للأغنام، شهدت العديد من المذابح، امرأة مضيئة ورائعة وعظيمة.

لو كانا قد التقيا، هي وسوهارتو، لكان من الممكن أن يطلب منها سوهارتو أن تنظف بلاط بيته (وأؤكد لكم أنها ما كانت ستقبل).

ولكن، حتى هي، على الرغم من كتفيها القويين، ما كان بإمكانها أن تمسح كل تلك الدماء.

فهذه مهمة المجتمع بأكمله، بعد أن يدان سوهارتو ويذهب طي النسيان.

عندها سيتعين عليهم أن يجتمعوا ويحافظوا على بلاطهم نظيفا.

ملاحظة للقراء: مدونة أخبار وتعليقات تسعى للحصول على مساعدة في ترجمة مواد المدونة إلى لغات أخرى، وكذلك في نشر محتويات المدونة على نطاق أوسع. يرجى من المهتمين الاتصال من خلال وصلة الإيميل أدناه.

Email Me